Sunday, November 21, 2010

حوار مع الدكتور محمد سليم العوا


دكتورسليم العوا

الإسلام يجعل الأقباط في حماية الله وليس الحكومة

الفتنة الوطنية سببها الوضع المتميز للمسيحيين في مصر

المرأة مؤهلة لرئاسة الجمهورية وليس العمل كقاضية فقط

لن أشارك في أي محاولات تقرب المسلمين من اليهود

الديانات السماوية هي المصدر الأساسي لحقوق الإنسان

أؤيد زيادة خانات الديانة بالبطاقة الشخصية لا حذفها


حوار-منة حسام وأحمد عبد القوي:

مفكر إسلامي مصري يؤمن بالتعايش السلمي وحرية الاعتقاد، يحتل مفهوم حقوق الإنسان محورا هاما في العديد من كتاباته، وهو المفهوم الذي تطرق إليه ودأب على تفسيره ليقدم لنا رؤية لا تتعارض مع الديانتين الإسلامية والمسيحية.

الدكتور محمد سليم العوا، الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورئيس جمعية مصر للثقافة والحوار، ينقل إلينا فكره وعلمه في هذا الحوار..

-بداية, إلى أي مدى تتفق الديانات السماوية مع مبادئ حقوق الإنسان؟

المسيحية والإسلام هما المصدر المطلق لحقوق الإنسان، فالإدراك البسيط لهذه المبادئ لا يلغي المعتقدات والقيم الدينية، على العكس فإن حقوق الإنسان تقوي إيماننا وتوفر المساواة في المجتمعات الممزقة، بالإضافة إلى ترسيخ الشعور بالكرامة الإنسانية، مما يستوجب ترسيخ الدول العربية العلاقة بين الأديان السماوية وحقوق الإنسان.

ـ كيف يمكن بناء تلك العلاقة في ظل عالمية مفهوم حقوق الإنسان و والتي من الممكن أن تتعارض مع الخصوصية الثقافية للشعوب؟

بالرغم من تنوع الأديان والحضارات والثقافات، إلا أن هناك علاقة مباشرة تجمع بين الأديان وحقوق الإنسان، على الأقل في قضايا أربعة هي الحريات الدينية والأحوال الشخصية والمشاركة السياسية للأقليات الدينية والتعليم الديني والحقوق الثقافية المرتبطة بالأديان والمذاهب.

ـ وهل هناك آيات من الكتب المقدسة تؤصل مفاهيم حقوق الإنسان في المجتمع؟

في الإنجيل، يمكن أن نستنتج عنصرين متناقضين في "ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المراءون لأنكم تؤدون العشر من النعناع والشبث والكمون, وقد أهملتم أثقل ما في الناموس: الحق والرحمة والأمانة فكان عليكم أن تعملوا هذه دون أن تهملوا تلك" (متى 23/23), فمن جهة يعيش الناس جنبا إلى جنب تسود بينهم صلات التعاون، وكل تعاون في المجتمع تنتج عنه حياة أفضل وأرقي، ومن جهة ثانية ينتج عن هذا الاتصال تصارع المصالح إذ يسعى كل واحد للحصول على أكبر قدر من المنافع الشخصية، وهنا تبرز قيمة المعايير الدينية والقانونية التي تفتح الباب أمام حلول واقعية تعطي لكل فرد حقه دون المساس بحقوق الآخر، لنصل إلى القاعدة الأساسية وهي مبدأ الاعتراف بالآخر مساويا لنا في الكرامة الإنسانية وما ينتج عنها من حقوق وواجبات.

ـ و بالنسبة للآيات القرآنية ؟

إذا اتخذنا الحق في العدل كمثال على حقوق الإنسان، سنجد أن العديد من الآيات القرآنية قد أشارت إلى ضرورة العدل أو القسط، مثل قول الله: "يا أيها الذين آمنوا كونوا شهداء لله قوامين بالقسط ولو على أنفسكم".

فالعدل في الإسلام يتجاوز نطاق الحق الإنساني, إلى حيث يصبح"ضرورة" من ضرورات قيام الملك، وشرطا لا غنى عنه لانتظام حياة الإنسان، وفي المجمل، تبرهن تلك الآيات على أن حقوق الإنسان تتفق مع روح الكتب المقدسة، فبما أن هذه الكتب تدعو إلى الحياة الكريمة والتكافل الإنساني لجميع البشر، إذا هي تدعو إلى حقوق الإنسان، ويمكن التدليل على ذلك بقول الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا إنا خلقناكم من ذكر وأنثى و جعلناكم شعوبا وقبائل لتعرفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم."

ـ هل تؤمن بفكرة حوار الأديان؟

أؤمن بالحوار بين أهل الأديان لا بين الأديان، لأن الأديان في نظر المؤمنين بها مسلمات لا تقبل الجدل, أما أهل الأديان فهم يعيشون على هذه الأرض معا، يتقاسمون فيها الخير والشر ويتبادلون النفع و الضرر، فلا بد من الحوار بينهم على أساس "حوار الحياة", لا "حوار اللاهوت" لتحقيق التعايش المشترك في الدنيا و الوطن الواحد.

ـ و هل من الممكن تطبيق فكرة الحوار بين الشعوب العربية و الغرب؟

لابد من تطبيقها، لأن الحوار هو الوسيلة الوحيدة لتحقيق مفاهيم، فأي بديل آخر سيكون الحروب والمظالم.

ـ ما هي المبادئ التي يمكن الاعتماد عليها في ترسيخ التعايش السلمي بين الأفراد في المجتمعات المختلفة عرقيا ودينيا؟

مبدأ "الإخوة الإنسانية" هو الأساس، ويمكن الاستدلال عليه بما ورد في سورة النساء، قال تعالي: "يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة، وخلق منها زوجها وبث منهما رجالا كثيرا ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا".

ـ هل مازال المجتمع المصري يطبق الآية الكريمة "لكم دينكم ولي دين" ويحترم حرية الآخر في اعتناق أي دين أو الارتداد عنه؟

هذه الآية لا تعني كفالة حرية الردة، إنما معناها هو عدم معاداة أهل الأديان الأخرى معاداة مادية بسبب دينهم.

_ إذن, ما رأي الدين في نصوص حقوق الإنسان الخاصة بحرية اعتناق الأديان أو الارتداد عنها؟

القرآن الكريم لم يحدد للردة عقوبة دنيوية، وإنما توعدت الآيات التي فيها ذكر الردة بعقوبة أُخروية للمرتد، وهناك أحاديث نبوية تشير إلى أن المرتد يُقتل لردته، وذلك في قول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: "من بدل دينه فاقتلوه"، لكننا وجدنا في السنن الصحيحة ما يجعلنا نذهب إلى أن الأمر الوارد في الحديث بقتل المرتد ليس على ظاهره، ومن ثم تكون عقوبة المرتد عقوبة تعزيرية مفوضة إلى السلطة المختصة في الدولة الإسلامية، فتقرر فيها ما تراه ملائما من العقوبات.

ـ هل تؤيد الآراء الخاصة بحذف خانة الديانة من البطاقة الشخصية؟

لا، بل أؤيد زيادة خانات الديانة في البطاقة الشخصية، ففي الأصل يُكتب دين الإنسان الذي ولد عليه، وإذا غيره تُعدل البطاقة ويُكتب دينه الجديد بذكر تاريخ خروجه من دينه الأصلي، فإذا ولد مسيحي ودخل الإسلام ثم عاد إلى المسيحية مرة أخرى، يكتب في البطاقة مسيحي في تلك الفترة، ومسلم في تلك الفترة والديانة الحالية مسيحي.

أما بالنسبة للأديان الغير سماوية، فيجب أن نضع لهم "شرطة" كي لا يحدث أي اختلاط في دفن الموتى أو الميراث.

ـ كيف ترى وضع المسيحيين في ظل تأكيد الدستور المصري على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الأساسي للتشريع؟

مصر دولة إسلامية بموجب دستورها، والإسلام يجعل المسيحيين في حماية الله ورسوله، لا في حماية الحكومة أو الشرطة، وحماية المسيحيين في مصر يفرضها الدين على المسلمين قبل أن يفرضها القانون، كما أن الحقوق والواجبات ليست نابعة من المواطنة وإنما من الدين.

ـ في رأيك, ما هي الأسباب التي أدت إلى تفاقم أزمة الاحتقان الطائفي في مصر؟

ما يحدث بين المسلمين والمسيحيين لا يسمى"فتنة الطائفية" إنما هو "فتنة وطنية" تمس الوطن كله، وترجع تلك الإحداث إلى الوضع المتميز للمسيحيين في مصر والذي لا يصل إليه كثير من المسلمين، والدولة إن كانت متعصبة فهي متعصبة للمسيحيين، فالكنائس ليس عليها رقابة كالتي على المساجد بل يحميها الأمن من الخارج، فضلا عن أن ما يجري داخل الكنيسة لا يعلمه أحد، كما أن الكنيسة استطاعت أن تتحكم في الشعب القبطي وأن تكون بديلا للدولة في كثير من الأمور، علما أنه لا يجوز أن يعلو دور المؤسسة الدينية، قبطية أو مسلمة، على دور الدولة.

ـ هل هناك أي محاولات لتقريب المسلمين من يهودي الدين وليس صهيوني الفكر؟

لا أعرف، وإن كانت موجودة فلن أشارك فيها بسبب الاختلاط شبه الكامل بينهما.

ـ يكفل الإسلام للمرأة جميع حقوقها، فهل هناك تعارض بين الدين و تولي المرأة منصب قاضية في مجلس الدولة؟

القضاء هو مثال للعمل العام، والعمل العام في الإسلام فرع من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والقرآن الكريم نص صراحةً على المساواة بين الرجال والنساء في أصل وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وذلك في قوله تعالى: "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله..." ( التوبة71).

وقد شاركت النساء في جيوش رسول الله أي أشقى أنواع العمل العام و أخطره، كما شاركت في الهجرة إلى الحبشة والمدينة، علما أن الهجرة عمل سياسي، إذا فليس هناك أي دليل على عدم أهلية المرأة للعمل العام أو تحمل تبعات المشاركة السياسية.

إذا, لماذا هذا الجدل حول أهلية المرأة للعمل العام؟

لأن المعارضين لولاية المرأة للمناصب السياسية يحتجون بحديث الرسول – صلى الله عليه وسلم- : "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة"، علما أن هذا الحديث يشير إلى الولاية العامة التي ليس فوقها ولاية وهي الخلافة أو الرئاسة العامة للدولة الإسلامية الواحدة التي تضم العالم الإسلامي كله، وهي دولة لم تعد موجودة الآن ولا يتوقع أحد قيامها في المستقبل، ويرجع عدم أهلية المرأة لخلافتها إلى شمول تلك الولاية وسعتها واتصالها بجميع المجالات بما فيها الإمامة في الصلاة.

إذا لا بأس من حيث الأهلية أو الكفاءة أن تتولى المرأة بعض السلطات ولو كانت رئاسة الدولة، لأن الرئاسة لا تمثل الأمر الذي يدل عليه الحديث.

عن الدكتور العوا

حصل الدكتور محمد سليم العوا، الأمين العام للإتحاد العالمي لعلماء المسلمين ورئيس جمعية مصر للثقافة والحوار، المعروف بفكره المعتدل، على دكتوراه الفلسفة من جامعة لندن عام 1972. صدر له أكثر من 100 مقال في المجلات العلمية والمجلات الدينية والثقافية والصحف، وشارك في عشرات المؤتمرات والندوات العلمية القانونية والإسلامية والتربوية في مختلف أنحاء العالم. كما نال عدة جوائز علمية ودعوية وخيرية، منها جائزة حاكم عجمان للشخصيات العالمية والدعوية عام 2000.

أجري هذا الحوار لـ مجلة "حقك" وهي مشروع تخرجي في قسم الصحافة، كلية الإعلام، جامعة القاهرة، دفعة 2010 والحائزة على المركز الثاني